ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
121
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
رؤوفا وكان أعشق ما لمطيته سفرها في القيظ ويلحقها إذ لم تستقر ذلك الوقت غيظ ، وكان في الحرور تتفدى بالحرور تستنشق من شدة وهجها نسيم الجنوب ، وتشتكي غرام البرد في الحر وتتوسل إلى اللّه تعالى في ذلك الأمر أن يهدي بردها لسيرها في قوة الحر فكيف يرجع لها برد ، فلفتها وطويت عليها زمامها وثقلت مسامعها بالغطاء مما تشكو في الحر من شدة البرد والهوى ، كانت كأنها عود بان أو قضيب خيزران أو شن بال أو وتر دان ، ولها من الهمة والقوة والعزمة ما يعجز عن همتها أسد الفلاة وشجعان كل واد وإقليم وعداة . فقعدت سنين سائرة وأياما مثابرة لا ترعوي ولا تهدأ ولا تنام ولا تضحى ، بل الدهر كله لها سواء إلى حيث جاءها إلى القباب والخباء والخيام والأطناب والدري والباب ، فلما نظرت قبابهم وبابهم أناخت تبكي ، وتظالت تشكي ، ووضعت خدها على ثرى أرض الأحباب وانطرحت كأنها لا تعي ولا تتحرك ، ولا تنطوي إلا متضرعة خاشعة خائفة باكية داعية ، هاملة هاطلة باهرة ، فنهضها بمعالمها ، وتركت حطامها ، فقالت : ذهبت تلك القوة والقوى في طريق الولاء والصفاء والرضى ، قالت : فما تريد مني إليك عني فإني بباب كريم ومن نزل بساحة راحة منزل الكريم له عليهم الحرمة والزمام ، وأنا ضيفة ونزيلة وخادمة ولي حق النزول والقرى وحق العبودية أما سمعت قول من قال ، ادعوا مطاياكم فإنها تحملكم إلى باب بارئكم ، قلت لها : دعيني وآويني ، قالت : كان ملكان نحن سمعنا بكريم يبذل النوال ويجزل العطاء للقصاد للسؤال الطالبين ، ويعطي من غير سؤل للقاصدين الراغبين ، لا يخيب من قصده ، ولا يطرد من طلب قربه ولا يمنع من استرشده ، ويعطي من غير سؤال ، ولكل أحد مقصد يقصده ، والناس أطوار ، قوم يقصدون الكرماء ، فقلنا نقصد رب الناس هو أكرم الكرماء ، وناس يقصدون الجاه فقلنا نقصد ربنا من اعتز بعزه عز ؛ فإن العزة للّه جميعا ولرسوله وللمؤمنين ، فما حست بالتعب والنصب حتى حصلت بالمكان المقصد ، فحطت وجدها تستريح استريحي ، فراحتها لفصول شتى لما سمعت في باطنها قائلا يقول : استريحي لقد عنيت وتعبت ذقت ورقت فطابت انتهيت ، والمنتهى إلى اللطف والراحة والنوم والأكل والشرب والأشراح والإشراقة والانفساح والترافة والتدلل لعل ينعش من احتراق ألم الطريق والتمزيق ليلا والعياذ باللّه تعالى ، يحترق فيموت ، أو يتلف فيكون مخالفا لأهل الطريق ؛ فإنهم جميعهم إذا انتهوا استراحوا ولولا محبتي ما نصحت ولدي ، وهذا سبيل من يقع والسلام .